المفاوضات المتأزمة و معركة إدلب

تتواتر الأنباء عن مفاوضات تجري بين كلٍّ من روسيا وتركيا ؛ تهدف للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في محافظة “إدلب” وعلى جبهة شمال غربي حماة في سوريا وذلك بعد عشرة أيام من الحملة العسكرية التي أطلقها الجيش العربي السوري في المنطقة؛ بعد سلسلة من التجاوزات التي قامت بها الجماعات المسلحة لمناطق خفض التصعيد والمنطقة المنزوعة السلاح.

والواقع ان هجوم الجيش السوري لم يكن مفاجئاً، بقدر ما كان متوقعاً. فمنذ توقيع الاتفاق حول المنطقة المنزوعة السلاح تقوم جبهة النصرة بالإخلال بالاتفاق الذي أعلنت أنها تعارضه، فضلا عن قيامها بتصفية جماعات مسلحة في محافظة إدلب ما جعل المحافظة برمتها تحت سيطرتها فيما تقوم تركيا، الضامن في الاتفاق، بدور المتفرج دون أن تحرك ساكناً.

استطاع الجيش السوري خلال عملياته من استعادة السيطرة على مناطق حساسة شمال غرب حماة أهمها مدينة كفرنبودة وقلعة المضيق، واقترب من خان شيخون التي قد تكون هدفا مقبلا ما لم يتم الاتفاق على وقف لإطلاق النار.

من الواضح أن العملية العسكرية ليس شاملة، ولا تهدف لإعادة السيطرة على محافظة إدلب كما قد توهم البعض، إذ لا يخفى أن استعادة السيطرة على المحافظة ستترك خلفها مفاعيل كبيرة يصعب على الأفرقاء تحملها، من هنا فان ملف إدلب على الأرجح أنه يحتاج إلى عملية سياسية لا عسكرية، إلا أن طبيعة الأطراف الفاعلة في المنطقة تجعل هذا الحل السياسي مستعصيا دون ضغط عسكري، لا سيما وأن تركيا لا تفي بالتزاماتها في الاتفاقات التي تعقدها. وما لم يشعر التركي أن الملف قد يذهب إلى الحل العسكري، فان الاستعداد للذهاب إلى حل سياسي يبدو بعيدا.

ومهما يكن من أمر، فقد قال أبو صبحي النحاس، رئيس المكتب السياسي لما يعرف بـ”الجبهة الوطنية للتحرير”، إن مفاوضات تدور بين الروس والأتراك؛ للتوصل إلى وقف إطلاق نار في إدلب.

وبحسب النحاس، فإن الفصائل المسلحة في المحافظة تقف مع الجانب التركي، بشأن وقف إطلاق النار مع خروج قوات الجيش السوري من جميع المناطق التي نجح في السيطرة عليها.

وعلى فرض التوصل إلى وقف لإطلاق النار فمن المقطوع به أن الجيش السوري ليس في وارد الانسحاب من المناطق التي أعاد السيطرة عليها، فإن خطوة كهذه لم تشهدها الساحة السورية طوال فترة الحرب على سوريا، فضلا عن أنها ستشجع الفصائل على الاستمرار في خرق الاتفاقات طالما أن عملية عسكرية ردعية ستنتهي بالعودة إلى النقاط السابقة التي كان عليها الطرفان.

وبحسب المعلومات فإن التركي يتعنت في المفاوضات ويصر على انسحاب الجيش السوري من المناطق التي استعاد السيطرة عليها، بل تشير بعض المعلومات أيضا انها يطالب بتراجع عن الخطوط التي كانت سابقا لتوسعة المناطق المنزوعة السلاح، إلا أن الجيش السوري يرفض ذلك رفضاً قاطعا متمسكا بالمعطيات التي حصلت سابقا من قيام الجماعات المسلحة بشن هجمات على نقاط للجيش السوري على مرأى من نقاط المراقبة التركية.

من الواضح أن الجبهة الشمالية السورية لن تشهد الاستقرار، طالما أن تركيا تلعب لعبة مزدوجة، مراهنة على التطورات الإقليمية التي تجعلها حاجة لكل من روسيا وإيران. ففي الوقت الذي تصنف روسيا جبهة النصرة على أنها إرهابية، فان تركيا لا تمتنع عن تصفية الجبهة وحسب، بل تسمح لها بتصفية مجموعات أخرى لتؤمن لها فاعلية ميدانية تراهن على قبولها مستقبلا في العملية السياسية.

إلى اليوم تبدو جبهة النصرة خيارا تركيا بامتياز، ولا يبدو أنها في وارد الاستغناء عنها، إلا إذا كان ضغط الميدان سيجعلها تخسر ورقة تفاوضية، وعندها، فان المصلحة التركية فوق كل “جبهة” أو “هيئة”.

 12,409 total views,  15 views today

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *